30 سبتمبر,2020

آداب الدعاء في الإسلام

آداب الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أختلف في سبب نزولها فقال مقاتل إن عمر إبن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع إمرأته بعدما صلى العشاء في رمضان فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله فأخبره بذلك ورجع مغتماً وكان ذلك قبل الرخصة فنزلت هذه الآية ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) وروى الكلبي عن أبي صالح عن إبن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية ،وقال الحسن إن قوماً قالوا للنبي أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت هذه الآية قوله تعالى ( أجيب دعوة الداع ِإذا دعان ) أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول ،وقال قوم إن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن يعجل الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عن الداعي وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم ٍيدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته ،وإما أن يدخر له ثوابها ،وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها ” وأعلم أن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط فشرط الداعي أن يكون عالماً بأن لا قادر إلا الله ،وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب فإن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب ٍلاه ،وأن يكون متجنباً لأكل الحرام ،ولا يمل من الدعاء ،ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعاً كما قال عليه الصلاة والسلام : ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ” فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم قال إبن عطاء الله : إن للدعاء أركاناً وأجنحة وأسباباً وأوقاتاً، فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار إلى السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه نجح ،فأركانه حضور القلب والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على النبي ومن شروط الدعاء أن يكون سليماً من اللحن .
ومن آداب الدعاء أن يدعو الداعي مستقبل القبلة ويرفع يديه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال إن الله ربكم حييٍ كريم ليستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً ” وأن يمسح بهما وجهه بعد الدعاء لما روي عن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه ” وأن لا يرفع بصره إلى السماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم لينتهن أقوام ٍعن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو ليخطفن الله أبصارهم ” وأن يخفض الداعي صوته بالدعاء لقوله تعالى ( إدعوا ربكم تضرعاً وخفية ) وعن ابي عبد الرحمن الهمداني قال صليت مع أبي إسحاق الغداة فسمع رجلاً يجهر في الدعاء فقال : كن كزكريا إذ نادى ربه نداءً خفياً، وينبغي للداعي أن لا يتكلف وأن يأتي بالكلام المطبوع غير المسجوع فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : إياكَ والسَّجعَ، فإنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابَه كانوا لا يَسجعونَ ” وقيل إدعوا بلسان الذلة والإحتقار ولا تدعوا بلسان الفصاحة والإنطلاق ،وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها كما في آخر سورة البقرة ،وعن سفيان بن عيينة لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فقد أجاب الله دعاء شر الخلق إبليس إذ قال ( رب أنظرني إلى يوم ِيبعثون ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسرُّه قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،و إذا أتاه الأمر يكرهه قال : الحمد لله على كلّ حال ” وعن سلمة بن الأكوع قال ما سمعت رسول الله يستفتح الدعاء إلا قال :” سبحان ربي الأعلى الوهاب ” وعن أبي سليمان الداراني من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على رسول الله ،وينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء وأن يكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريماً .
وللدعاء أوقات ٍوأحوال يكون الغالب فيها الإجابة وذلك وقت السحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة وعند جلسة الخطيب بين الخطبتين إلى أن يسلم من الصلاة وعند نزول الغيث ،وعند التقاء الجيش في الجهاد في سبيل الله تعالى ،وفي الثلث الأخير من الليل لما جاء في الحديث :” إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد ٍمسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه ” وفي حالة السجود، لقوله عليه الصلاة والسلام :” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ” وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الإضطرار وحالة السفر والمرض هذه كله جاءت به الآثار .
قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثة أيام يوم الاثنين ويوم الثلاثاء وأستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه ،قال جابر : ما نزل بي أمر مهم ٍغليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة ،وفي بعض الكتب المنزلة : يا عبدي إذا سألت فاسألني فإني غني وإذا طلبت النصرة فاطلبها مني فإني قوي وإذا أفشيت سرك فافشه إلي فإني وفي ،وإذا أقرضت فأقرضني فإني ملي ،وإذا دعوت فأدعني فإني حفي ” وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له ،من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له “ وقال وهب بن منبه : بلغني أن موسى مر برجل ٍقائم يبكي ويتضرع طويلاً فقال موسى يا رب
أما تستجيب لعبدك ؟ فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى لو أنه بكي حتى تلفت نفسه ورفع يديه حتى بلغ عنان السماء ما أستجبت له، قال يا رب لم ذلك ؟ قال لأن في بطنه الحرام ” ومر إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة فاجتمع الناس إليه وقالوا يا أبا إسحاق : ما لنا ندعوا فلا يستجاب لنا ؟ قال لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء الأول أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه،الثاني زعمتم أنكم تحبون رسول الله ثم تركتم سنته، الثالث قرأتم القرآن ولم تعملوا به ،الرابع أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها،الخامس قلتم إن الشيطان عدوكم ووافقتموه ،السادس قلتم إن الجنة حق فلم تعملوا لها، السابع قلتم إن النار حق ولم تهربوا منها، الثامن قلتم إن الموت حق فلم تستعدوا له التاسع إنتبهتم من النوم وأشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم ،العاشر دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم .
وكان يحيى بن معاذ يقول : من أقر لله بإساءته جاد الله عليه بمغفرته ومن لم يمن على الله بطاعته أوصله إلى جنته ،ومن أخلص لله في دعوته من الله عليه بإجابة وقال علي رضي الله تعالى عنه :إرفعوا أفواج البلايا بالدعاء ،وعن أنس رضي الله تعالى عنه : لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد “
وكان من دعاء شريح رحمه الله تعالى : اللهم إني أسألك الجنة بلا عمل ٍعملته وأعوذ بك من النار بلا ذنب ٍتركته ،ودعت إعرابية عند البيت فقالت : إلهي لك أذل وعليك أدل ،وكان من دعاء بعض الصالحين :اللهم إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك وهو الإشراك وإن كنا قصرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبها إليك وهو شهادة أن لا إله إلا أنت وإن رسلك جاءت بالحق من عندك .
ومن دعاء سلام بن مطيع: اللهم إن كنت بلغت أحداً من عبادك الصالحين درجة ٍببلاء فبلغنيها بالعافية،وقيل لفتح الموصلي :أدع الله لنا فقال :اللهم هبنا عطاءك ولا تكشف عنا غطاءك ،وكان من دعاء بعض السلف : اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي فإن لم تقبل تعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى الناس فنضيع ،وقال الحسن : من دخل المقابر فقال اللهم رب الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحاً من عندك وسلاماً مني كتب الله بعدد من مات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات .
وحكي عن معروف القاضي أن الحجيج كانوا يجتهدون في الدعاء وفيهم رجل من التركمان ساكت لا يحسن أن يدعو فخشع قلبه وبكى فقال بلغته اللهم إنك تعلم أني لا أحسن شيئاً من الدعاء فاسألك ما يطلبون منك بما دعوا فرأى بعض الصالحين في منامه أن الله قبل حج الناس بدعوة ذلك التركماني لما نظر إلى نفسه بالفقر والفاقة ،وقال الأصمعي حسدت عبد الملك على كلمة تكلم بها عند الموت وهي : اللهم إن ذنوبي وإن كثرت وجلت عن الصفة فإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني ،وركب إبراهيم بن أدهم في سفينة فهاجت الريح وبكى الناس وأيقنوا بالهلاك وكان إبراهيم نائماً في كساء فاستوى جالساً وقال :أريتنا قدرتنا فأرنا عفوك فذهب الريح وسكن البحر ،وقال الثوري كان من دعاء السلف اللهم زهدنا في الدنيا ووسع علينا فيها ولا تزوها عنا ولا ترغبنا فيها ،وكان بعض الأعراب إذا آوى إلى فراشه قال : اللهم إني أكفر بكل ما كفر به محمد وأؤمن بكل ما آمن به ثم يضع رأسه ،وسمعت بدوية تقول في دعائها :يا صباح يا مناح يا مطعم يا عريض الجفنة يا أبا المكارم فزجرها رجل فقالت دعني أصف ربي وأمجد إلهي بما تستحسنه العرب ،وقال الزمخشري في كتابه ” ربيع الأبرار ” سمعت أنا من يدعو من العرب عند الركن اليماني : يا أبا المكارم يا أبيض الوجه وهذا ونحوه منهم إنما يقصدون به الثناء على الله تعالى بالكرم والنزاهة عن القبيح على طريق الإستعارة لأنه لا فرق عندهم بين الكريم وأبي المكارم ولا بين الجواد والعريض الجفنة ولا بين المنزه والأبيض الوجه، وقيل لأعرابي أتحسن أن تدعو ربك ؟ قال نعم قال: اللهم إنك أعطيتنا الإسلام من غير أن نسألك فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألك ،وذكر لعبد السلام بن مطيع أن الرجل تصيبه البلوى فيدعو فتبطئ عنه الإجابة فقال بلغني أن الله تعالى يقول كيف أرحمه من شيء به أرحمه ،وقال طاوس : بينما أنا في الحجر ذات ليلة إذ دخل علي إبن الحسين فقلت رجل صالح من أهل بيت الخير لأسمعن دعاءه فسمعته يقول : عبيدك بفنائك مسكينك بفنائك فقيرك بفنائك فما دعوت بهما في كرب ٍإلا فرج عني ،ودعا أعرابي فقال: اللهم إنا نبات نعمتك ،وقال ابن المسيب سمعت من يدعو بين القبر والمنبر :اللهم إني أسألك عملاً باراً ورزقاً داراً وعيشاً قاراً فدعوت به فما وجدت إلا خيراً، ودعت أعرابية بالموقف فقالت أسألك سترك الذي لا تزيله الرياح ولا تخرقه الرماح ،وقيل إتقوا مجانيق الضعفاء أي دعواتهم ،ودعا أعرابي فقال :اللهم أمح ما في قلبي من كذب وخيانة وأجعل مكانه صدقاً وأمانة ،وصلى رجل إلى جنب عبد الله بن المبارك وبادر القيام فجذب ثوبه وقال أما لك إلى ربك حاجة ؟ وقال سفيان الثوري سمعت أعرابياً يقول اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله وإن كان في الأرض فأخرجه وإن كان بعيداً فقربه وإن كان قريباً فيسره وإن كان قليلاً فكثره وأن كان كثيراً فبارك لي فيه .
وقال أبو نواس :
أحببت من شعر بشار ٍوكلمته
                                بيتاً لهجت به من شعر بشار
يا رحمة الله حلي في منازلنا
                               وجاورينا فدتك النفس من جار
وكان بشار يعني بذلك جارية بصرية كان يحبها ويتغزل بها ونعني بها هنا رحمة الله التي وسعت كل شيء ،وسمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلاً يقول :وهو متعلق بأستار الكعبة : يا من لا يشغله سمع ٍعن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك فقال علي والذي نفسي بيده لو قلتها وعليك ملء السماوات والأرض من الذنوب لغفر لك ،ومن دعائه رضي الله عنه : اللهم صن وجهي باليسار ولا تبدل جاهي بالإقتار فأسترزق طامعاً رزقك من غيرك وأستعطف شرار خلقك وأبتلي بحمد من أعطاني وأفتتن بذم من منعني وأنت من وراء ذلك كله ولي الإجابة والمنع ،وهبط جبريل على يعقوب فقال يا يعقوب إن الله تعالى يقول لك : قل يا كثير الخير يا دائم المعروف رد علي إبنيّ فقالها فأوحى الله تعالى إليه وعزتي لو كان ميتين لنشرتهما لك ،وكان أبو مسلم الخراساني إذا نابه أمر قال يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ،وقال جعفر بن محمد ما المبتلي الذي إشتد بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن وقوع البلاء وكان الزهري يدعو بعد الحديث بدعاء جامع فيقول : اللهم إني أسألك من خير ما أحاط به علمك في الدنيا والآخرة وأعوذ بك من شر ما أحاط به علمك في الدنيا والآخرة ،وعن عقبة بن عبد الغافر : دعوة في السر أفضل من سبعين دعوة في العلانية ،وأعلم أن التوحيد والدعاء عند نوازل الملمات هو سفينة النجاة من الحوادث المهلكات .
آداب الدعاء

آداب الدعاء

 

وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ورجل ٍقد صلى وهو يدعو ويقول في دعائه : اللهم لا إله إلا الله أنت المنان بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : أتَدرون بم دعا اللَّهَ ؟ دعا اللَّه باسمه الأعظم ،الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى” وعن أنس : إذا قال العبد يا رب يا رب يا رب يقول الله عز وجل لبيك عبدي، ومن دعاء الكرب ما روي عن وهب أن إبن عباس رضي الله عنهما قال له : هل تجد فيما تقرأ من الكتب دعاءً تدعو به عند الكرب ؟ قال نعم : اللهم إني أسألك يا من يملك حوائج السائلين و يعلم ضمير الصامتين فإن لكل مسألة منك سمعاً حاضراً و جواباً عتيداً ولكل صامت ٍمنك علماً ناطقاً محيطاً أسألك بمواعيدك الصادقة وأياديك الفاضلة ورحمتك الواسعة أن تفعل بي كذا وكذا فقال إبن عباس : هذا دعاء علمته في النوم ما كنت أرى أن أحداً يحسنه .
وعن وهب أيضاً قال لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة إلى الأرض إستوحش لفقد أصوات الملائكة فهبط إليه جبريل وقال يا آدم هل أعلمك شيئاً تنتفع به في الدنيا والآخرة ؟ قال بلى قال قل : اللهم أتمم النعمة حتى تهنيني المعيشة اللهم أختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي اللهم أكفني مؤنة الدنيا وكل هول ٍفي القيامة حتى تدخلني الجنة معافى ،وعن معروف الكرخي قال :إجتمعت اليهود أخزاهم الله على قتل عيسى عليه الصلاة والسلام بزعمهم وأهبط الله تعالى عليه جبريل وفي باطن جناحيه مكتوب : اللهم إني أدعوك بإسمك الأجل الأعز وأدعوك اللهم بإسمك الأحد الصمد وأدعوك بإسمك العظيم الوتر وأدعوك اللهم بإسمك الكبير المتعالي الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أصبحت وأمسيت فيه فأوحى الله عز وجل إلى جبريل أن أرفع عبدي إلي ،فقال رسول الله لأصحابه عليكم بهذا الدعاء ولا تستبطئوا الإجابة فإن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إسناد هذا متصل إلى معروف الكرخي ثم هو منقطع ولو لم يكن فيه من البركة إلا رواية معروف لكان كافيا في قبوله والعمل به .
وحدث عبد الله بن أبان الثقفي رضي الله عنه قال : وجهني الحجاج ابن يوسف في طلب أنس بن مالك فظننت أنه يتوارى عني فأتيته بخيلي ورجلي فإذا هو جالس على باب داره ماداً رجليه فقلت له أجب الأمير فقال أي الأمراء ؟ فقلت أبو محمد الحجاج فقال غير مكترث به قد أذله الله ما أراني أعزه لأن العزيز من عز بطاعة الله والذليل من ذل بمعصية الله وصاحبك قد بغى وطغى وأعتدى وخالف كتاب الله والسنة والله لينتقم الله منه ،فقلت له أقصر عن الكلام وأجب الأمير فقام معنا حتى حضر بين يدي الحجاج فقال له أنت أنس بن مالك ؟ قال نعم قال أنت الذي تدعو علينا وتسبنا ؟ قال نعم قال ومم ذاك ؟ قال لأنك عاص ٍلربك مخالف ٍلسنة نبيك تعز أعداء الله وتذل أوليائه فقال له أتدري ما أريد أن أفعل بك قال لا ،قال أريد أن أقتلك شر قتلة قال أنس لو علمت أن ذلك بيدك لعبدتك من دون الله قال الحجاج ولم ذاك ؟ قال لأن رسول الله علمني دعاء وقال من دعاء به في كل صباح ٍلم يكن لأحد ٍعليه سبيل وقد دعوت به في صباحي هذا فقال الحجاج علمنيه فقال معاذ الله أن أعلمه لأحد ما دمت أنت في الحياة فقال الحجاج خلوا سبيله فقال الحاجب أيها الأمير لنا في طلبه كذا وكذا يوماً حتى أخذناه فكيف تخلي سبيله ؟ قال رأيت على عاتقه أسدين عظيمين فاتحين أفواههما ثم أن أنساً رضي الله عنه لما حضرته الوفاة علم الدعاء لأخوانه وهو : بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله خير الأسماء بسم الله الذي لا يضر مع إسمه أذى بسم الله الكافي بسم الله المعافي بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم بسم الله على نفسي وديني بسم الله على أهلي ومالي بسم الله على كل شيء أعطانيه ربي الله أكبر الله أكبر الله أكبر أعوذ بالله مما أخاف وأحذر الله ربي لا أشرك به شيئاً عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك اللهم إني أعوذ بك من شر كل جبار ٍعنيد وشيطان ٍمريد ومن شر قضاء السوء ومن شر كل دابة ٍأنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ٍ مستقيم ” وهذا دعاء مشهور الإجابة وله شرح ٍطويل وتركناه لطوله وهو اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وإنقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان ٍلسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك لا بيد غيرك إجعل لي من كل هم ٍوغم ٍأصبحت أو أمسيت فيه فرجاً ومخرجا إنك على كل شيء قدير اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك عن قبيح عملي أظعمني أن أسألك ما لا أستوجبه منك مما قضيته لي أدعوك آمنا وأسألك مستأنساً لا خائفاً ولا وجلا لأنك أنت المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي بالنعم مع غناك عني وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك فلم أر مولىً كريماً أعطف منك على عبد لئيم ٍمثلي لكن الثقة بك حملتني على الجرأة على الذنوب فاسألك بجودك وكرمك وإحسانك مع طولك أن تصلي على محمد وآله وأن تفتح لي باب الفرج بطولك وتحبس عني باب الهم بقدرتك ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأعجز ولا إلى الناس فأضيع برحمتك يا أرحم الراحمين .
وقال صالح المزني قال لي قائلٌ في منامي : إذا أحببت أن يستجاب لك فقل : اللهم إني أسألك بإسمك المحزون المكنون المبارك الطيب الطاهر المطهر المقدس فما دعوت بها في شيء إلا تعرفت الاجابة ،وقيل إن هذا الدعاء فيه إسم الله الأعظم وهو بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك بالعزة التي لا ترام والملك الذي لا يضام والعين التي لا تنام والنور الذي لا يطفأ وبالوجه الذي لا يبلى وبالديمومة التي لا تفنى وبالحياة التي لا تموت وبالصمدية التي لا تقهر وبالربوبية التي لا تستذل أن تجعل لنا في أمورنا فرجاً ومخرجاً حتى لا نرجو غيرك يا أرحم الراحمين ،وقال سيعد بن المسيب : دخلت المسجد في ليلة ٍمقمرة وأظن أني قد أصبحت وإذا الليل على حاله فقمت أصلي وجلست أدعو وإذا بهاتف ٍيهتف من خلفي : يا عبد الله قل قلت ما أقول ؟ قال : قل اللهم إني أسألك بأنك ملك وأنت على كل شيء قدير وما تشاء من أمر ٍيكون قال سعيد : فما دعوت به قط في شيء إلا رأيت نجحه ،وروى الثقفي رحمه الله تعالى بإسناده إلى محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لولده يا بني من أصابته مصيبة في الدنيا أو نزلت به نازلة فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل أربع ركعات أو ركعتين فإذا إنصرف من صلاته يقول : يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى ويا شاهد كل بلوى ويا منجي موسى والمصطفى محمد والخليل إبراهيم عليهم السلام أدعوك دعاء من إشتدت فاقته وضعفت حركته وقلت حيلته دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال علي بن الحسين رضي الله عنهما لا يدعو به مبتلي إلا فرج الله عنه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم :” اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلى قويّ ٍملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك فلك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يارب العالمين “
ومما جاء في أدعية الناس بعضهم لبعض دعا رجل لآخر فقال : سرك الله بما ساءك ولا ساءك فيما سرك ودعا رجل لآخر فقال : لا أخلاك الله تعالى من ثناء ٍصادق باق ودعاء صالح واق ،ودعا أعرابي لآخر فقال رحب واديك وعز ناديك ولا ألم بك ولا طاف بك عدم وسلمك الله ولا أسلمك وسمعت بعض العرب يدعو لرجل ٍويقول سلمك الله تعالى من الرهق والوهق وعافاك الله تعالى من الوحل والزحل وسلمك الله من الشاردات والواردات وسلمك الله بين الأعنة والأسنة ،ودعا أعرابي لعبد الله بن جعفر رضي الله عنه فقال : لا إبتلاك الله تعالى ببلاء ٍيعجز عنه صبرك وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك وأبقاك ما تعاقب الليل والنهار وتناسخت الظلم والأنوار ،ودعا بعضهم لآخر فقال زودك الله تعالى الأمن في مسيرك والسعد في مصيرك ولا أخلاك من شهر تستجده وخير من الله تستمده ،وعزى شبيب بن شبة يهودياً فقال أعطاك الله على مصيبتك ما أعطى أحداً من أهل ملتك .
ومما جاء في الدعاء على الأعداء والظلمة ونحوهم دعا أعرابي على ظالم فقال : لا ترك الله لك شفراً ولا ظفراً أي عيناً ولا يداً، ومن دعاء العرب فتّه الله فتاً وحتّه حتاً وجعل أمره شتى ،وخرج أعرابي إلى سفر وكانت له إمرأة تكرهه فاتبعته نواة وقالت : شط نواك ونأى سفرك ثم أتبعته روثة وقالت : رثتك أهلك وورث خيرك ثم أتبعته حصاة وقالت حاص رزقك وحص أثرك ،ودعا أعرابي على آخر فقال أطفأ الله ناره وخلع نعليه أي جعله أعمى مقعداً ودعا أعرابي على آخر فقال :سقاه الله دم جوفه أي قُتل إبنه وأخذ ديته فشرب لبنها ،ودعا أعرابي على آخر فقال بعث الله عليه سنة فاشورة تحلقه كلما يحلق الشعر بالنورة ،ودعا رجل ٍعلى أمير فقال :
أزال الله دولته سريعاً
                      فقد ثقلت على عنق الليالي
وقالت إمرأة من بني ضبة في زوجها :
وما دعوت عليه حين ألعنه
                             إلا وآخر يتلوه بآمين فليته
كان أرض الروم منزله
                        وليتني قبله قد صرت للصين
ودعا رجلٌ فقال : اللهم أكفنا أعداءنا ومن أرادنا بسوء فلتحط به ذلك السوء إحاطة القلائد بترائب الولائد ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجّيل على هام أصحاب الفيل وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ولنختم هذا الباب بهذا الدعاء المبارك وهو : اللهم إنك وأغرقتنا بربوبيتك وغرقنا في بحار نعمتك ودعوتنا إلى دار قدسك ونعمتنا بذكرك وأنسك إلهي إن ظلمة ظلمنا لنفوسنا قد عمت وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمت ،والعجز شامل والحصر حاصر والتسليم أسلم وأنت بالحال أعلم ،إلهي ما عصيتك جهلاً بعاقبك بعقابك ولا تعرضاً لعذابك ولكن سولتها نفوسنا وأعانتنا شقوتنا وغرنا سترك علينا وأطمعنا عفوك برك بنا ،فالآن من عذابك من ينقذنا وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنا واخجلتاه غداً من الوقوف بين يديك وافضيحتاه إن عرضت فعالنا القبيحة عليك اللهم أغفر ما علمت ولا تهتك ما سترت ،إلهي إن كنا عصيناك بجهل ٍفقد دعوناك بعقل حيث علمنا أن لنا ربا يغفر لنا ولا يبالي إلهي تحرق بالنار وجهاً كان لك مصلياً ولساناً كان لك ذاكراً وداعياً ،لا ،بحق الذي دلنا عليك وأمرنا بالخشوع بين يديك وهو محمد خاتم أنبيائك وسيد أصفيائك فإن حقه علينا أعظم الحقوق بعد حقك كما أن منزلته لديك أشرف المنازل سيد خلقك ومعدن أسرارك صل يارب على محمد وآله وأصحابه وأرحم عباداً غرهم طول أمهالك وأطمعهم كثرة أفضالك فقد ذلوا لعزك وجلالك ومدوا أكفهم لطلب نوالك ولولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك اللهم أغفر لنا ولوالدينا ولكل المسلمين أجمعين .
هذا والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
شارك مع أصدقائك ^_^Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on TumblrShare on LinkedInEmail this to someone

كلمات دلالية عن المقال

مقالات مرتبطة